شباب مسلم

نهاية قصة صلاح الدين

2008-03-28  ،  11:05 ص  في القسم من تاريخ المسلمين .. من أتحفني رأيه2 .. الرابط
إن من فضل الله تبارك وتعالى علينا أن جعل دعاء المؤمن له موجب للإستجابة فما أحوج أن يتوجه كل منا إلى الله عز وجل بالدعاء فى ظل هذا القدر الكبير من الهموم والمشاكل التى تثقل كاهل الفرد والأمة ولذا وجب علينا الحرص على دوام علاقتنا ببارئنا واللجوء إليه فى كل وقت ومكان ولن يجد الإنسان ما يطمئن قلبه ويغشيه بالسكينة والرحمة أفضل من التضرع إلى الله العلى القدير القائل فى محكم آياته : " إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا " ] الأنبياء 21 : 90 [ .
 
إذا كان هذا الجزء مخصصا للحديث على ختام سيرة صلاح الدين الأيوبى فهى بلا شك مرتبطة ببدايتها والأهم من ذلك أن خواتيم أعمال الإنسان تشير إلى مدى علاقته بالله سبحانه وتعالى ولقد عانى صلاح الدين كثيرا طيلة العامين اللذين فرض فيهما الحصار على عكا وطال الحصار وبدأ سقوط عكا على وشك الحدوث رغم أن صلاح الدين فعل كل ما بإمكانه حتى لا تقع عكا تحت أيدى الصليبيين وحتى يشهد الله له بوقفته هذه يوم القيامة وكان القاضى الفاضل قد بعث إلى صلاح الدين برسالة يشرح له فيها أسباب طول الحصار المفروض على عكا إذ يقول : " إن سبب هذا التطويل فى الحصار هو كثرة الذنوب وإرتكاب المعاصى بين الناس فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه والإمتثال لأمره وكيف لا يطول الحصار والمعاصى فى كل مكان فاشية ؟ و قد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منها " .
 
وكما جاء بالرسالة فإن الأمر المفروغ منه هو أن أحوال الفرد والأمة من سعادة أو شقاء مرتبطة إرتباطا وثيقا بتحرى تقوى الله سبحانه وتعالى أو البعد عنه والعياذ بالله وإذا كثرت المعاصى حل غضب الله كما حدث أيام حصار الصليبيين لعكا لمدة سنتين وقد كتب القاضى الفاضل فى مذكراته الجمل التالية : " إن ما أوتينا من قبل أنفسنا ولو صدقنا الله لعجّل الله عواقب صدقنا ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به فلا يختصم أحدا إلا نفسه وعمله ولا يرجو إلا ربه " وفى الواقع فإن تلك الكلمات توضح جليا أنه لا صلاح للأمة إلا بصلاح أنفسنا .
 
ورغم ما قام به صلاح الدين من جهد سقطت عكا فى أيدى الصليبيين ويروى القاضى الفاضل أن حزن صلاح الدين لسقوط ذلك الميناء أدى به إلى الإمتناع عن الطعام لعدة أيام مما إضطر القاضى الفاضل إلى مخاطبته قائلا : " ألا ترى أيها الأمير أن الله تبارك وتعالى قد إختارك من دون عباده المتقدمين والمتأخرين ، إختارك من بين أفراد قريبين من سلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إختارك ولم تكن من سلالة ملك من الملوك ولقد خصك الله تعالى بالإنتصار العظيم يوم حطين وفتح بيت المقدس وإعادة الصلاة إلى المسجد الأقصى " وأعقب كلامه السابق ببيت شعر قال فيه :
 
لست بملك هازم نظرائه إنك بالإسلام للشرك هازم
 
وفى الواقع لن يبزغ فجر الأمة إلا برجال على شاكلة صلاح الدين يعمدون إلى إنارة الدنيا بأسرها بأفعالهم وأقوالهم واضطر صلاح الدين الإنسحاب إلى الحصون الساحلية ولكن تلك الحصون بدأت تتساقط الواحد بعد الآخر حتى سقطت عسقلان التى كان يعتبرها صلاح الدين الباب البحرى لبيت المقدس وبكى صلاح الدين بكاءا شديدا وكأنه قد فقد ولدا من أولاده وليسأل كل منا نفسه إذا كان حزنه بسبب قضية الأمة مثل حزن صلاح الدين أم أنه بسبب مشكلة شخصية ؟ وعلى سبيل المثال لقد أثارنا جميعا موت الطفل الفلسطينى محمد الدرّة ولكن حزننا ما لبث أن تولى وبقى الواقع على ماهو عليه .
 
ولذلك لم يكن غريبا أن تقترب السفن الإنجليزية والفرنسية من بيت المقدس ومما زاد الأمر سوءا أن الأخبار وصلت بقرب مجئ القوات الألمانية بقيادة فردريك باربا روسا من شمال الشام والله سبحانه وتعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم ورغم أن إجابة الدعاء قد تتأخر بسبب معاصى أو إبتلاءات ولكن الله لا يتخلى عن عباده المخلصين مثل صلاح الدين وبالفعل ظل القائد الورع يدعو ربه بالفرج طوال الليل وما كانت إلا أيام قليلة حتى حملت الأخبار نبأ غرق القائد الألمانى فريدريك باربا روسا فى أحد الأنهار وقد أعقب ذلك مواجهات عسكرية بين الجيش الألمانى والجيش البيزنطى أفضت إلى دحر الألمان حتى أنه لم ينج منهم سوى ألف مقاتل إنضموا إلى الأسطول الإنجليزى وإن دلت تلك الوقائع على أمر فإنما تدل على أن الله العلى القدير لا يخلف وعده بنصرة المؤمنين من أمثال صلاح الدين إذ يقول فى كتابه الكريم : " فاصبر إن وعد الله حق " ]الروم 30 :60 [ .
 
واضطر صلاح الدين إلى الإنسحاب إلى بيت المقدس حيث ينتظر أن تقع المعركة الفاصلة وكانت أسوار المدينة بحاجة إلى تعلية ولا تستغربن عند العلم بأن صلاح الدين كان يحمل أقفاص التراب فوق كتفيه والصخر على رأسه مثله مثل العامة وذلك لأن هدفه من الدنيا كان التحصل على مرضاة الله عز وجل ولم يكن أبدا لعرض زائل ولما كانت الأمور العسكرية متداخلة عقد صلاح الدين مجلسا للحرب ومثلما حدث أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواجدت فئة المنتفعين من أمثال عبد الله بن أبى بن سلول الذى ترك النبى الكريم وسط المعركة يوم أحد وانصرف مع ثلثمائة من الجند وكانت هذه الفئة ممثلة أيام صلاح الدين أيضا وللأسف فإن بعض الأمراء المسلمين تشككوا فى إمكانية تحقيق النصر على القوات الإنجليزية بقيادة ريتشارد قلب الأسد والقوات الفرنسية بقيادة فيليب أغسطس حتى أنهم رأوا وجوب الإستسلام للإرادة الصليبية وكان موقفهم هذا مثالا تنطبق عليه الآية الكريمة : " وإذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " ]الأحزاب 33 :12 [     
 
وفى المقابل فقد ثبت الله عز وجل المخلصين من عباده مثل سيف الدين المشطوب وهو المسئول الذى قبع فى عكا طوال فترة حصارها وقد طلب هذا الرجل بشدة من صلاح الدين عدم الإستسلام للصليبيين وبالفعل إتخذ صلاح الدين قراره بالدفاع عن بيت المقدس بكل ما أوتى من قوة وما أشبه الأمس باليوم عندما صمد أبناء قرية جنين الفلسطينية داخل كيلو متر مربع واحد ولم يستطع الصهاينة دخول هذه القرية إلا على جثث شهداءها ولم يكن صمود سيف الدين المشطوب ولا أهل قرية جنين إلا تصديقا للآية الكريمة : " ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله " ] الاحزاب 33 : 22 [ .
 
ولكن ماذا كان موقف أمة الإسلام ؟ ألم يحن الأوان لأمتنا أن تستيقظ من غفوتها ؟ ألم يحن الوقت بعد لتنشأة جيل يستطيع إعادة العزة إلينا ؟ هذه الأسئلة موجهة للأب المسئول عن أسرته وللأم المسئولة عن تربية أبنائها ولكافة المربين فإن أمة الإسلام تنادى فهل من مستجيب ؟ .
 
وفى ليلة جمعة رأى القاضى الفاضل صلاح الدين مهموما للأمة فنصحه بالتضرع لله تعالى فى ليلة اليوم المبارك عند الله جل شأنه فما يرفع البلاء إلا الذى فرضه وكعادته فى اللجوء إلى بارئه أمضى صلاح الدين الليلة كلها بين دعاء ورجاء أن ياتى الله عز وجل بالفرج من عنده .
 
ولقد تشاور صلاح الدين مع قواده فقال لهم ( الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: اعلموا أنكم جند الاسلام اليوم ومنعته وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة والله عز وجل سائلكم يوم القيامة عنهم وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم فإن وليتم والعياذ بالله طوى البلاد وأهلك العباد وأخذ الاموال والاطفال والنساء وعبد الصليب في المساجد وعزل القرآن منها والصلاة وكان ذلك كله في ذممكم فإنكم أنتم الذين تصديتهم لهذا كله وأكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم وتنصروا ضعيفهم فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام ) وكان مما أجابه به قواده أنهم سيكونون معه وسيحاربون معه ففرح بهذا فرحا شديدا .
 
ولقد حاصر الفرنج القدس ولكن صلاح الدين كان قد ردم الآبار التي حول مدينة القدس فاختلف الفرنج فيما بينهم أينسحبوا أم يبقوا فاستقر أمرهم على الانسحاب وتمت صولات وجولات بين صلاح الدين والفرنج ولم يمض إسبوعا حتى رحل الأسطول الفرنسى وفاوض صلاح الدين ريتشارد منفردا على أن تبقى عكا فى يد ملك إنجلترا وأن يكون هناك طريقا آمنا للحجيج من النصارى إلى بيت المقدس وأن يحج النصارى إلى كنيسة القمامة وهذا كان اسمها وفى المقابل يبقى بيت المقدس تحت سيطرة المسلمين وانسحب ريتشارد بقواته إلى إنجلترا وبقى صلاح الدين فى الشام .
 
وفى ذلك العام أراد صلاح الدين أن يؤدى فريضة الحج ونصحه المحيطين به إرجاء غيابه عن الشام إلى العام التالى حتى تستتب الأوضاع بعد المعارك الطاحنة التى خاضتها الأمة عند مقدم الحملة الصليبية الثالثة إلى الشرق ولم يكن أحد يعلم أن شهر صفر لعام 589 هجرية سيشهد رحيل صلاح الدين الأيوبى من الحياة الدنيا وسيشهد نهاية قصة كفاح طويلة خاضها الشاب البسيط الذى بدأ طريق الإلتزام وتعلمه من أبيه ومن عمه ومن معلمه نور الدين محمود ومن غيرهم ستنتهى سيرة الورع والصلاح والعدل والجهاد والتضحية ستنتهى سيرة المخبت لربه الساجد الراكع الباكى المتضرع كثير الصلاة كثير الصيام ستنتهى سيرة البطل الذى ظل على ظهر جواده أكثر من سبع وعشرين عاما كان همه فيها نشر الإسلام ستنتهى سيرة صلاح الدين الأيوبى ليس ذكرا وإنما أحداثا فذلك الرجل الذى لم يضحك يوما وعندما سئل " لم لا تضحك " أجاب قائلا : " كيف أضحك وديار الإسلام فى أيدى الصليبيين ؟ " ستنتهى حياة صلاح الدين الأيوبى صاحب التقوى والخوف من رب العالمين ستنتهى حياة الرجل المتسامح والمنفق ، ستنتهى قصة من أعظم القصص التى سطّرها التاريخ .
 
وفى أوائل شهر صفر سنة 589 مرض صلاح الدين مرضا شديدا وبدأ للناس قرب أجله حتى أن الرعية من المشرق والمغرب تجمعوا فى دمشق وجاءت إمرأة بسيطة من الحجاز عندما علمت بمرض صلاح الدين ووقفت على بابه وهى تقول للقاضى شداد : " والله الذى لا إله إلا هو فأن يختار رب العالمين ولدا من أولادى الساعة لأحب إلي من أن يموت صلاح الدين " .
 
فى ذات يوم جلس الأفضل بن صلاح الدين على كرسى أبيه فبكى الجميع وتأثروا لغياب تلك الشخصية وذلك الحضور وذلك الجهاد وأذكر قول الشاعر :
 
ولكن إذا حم القضاء على إمرئ    فليس له بر يقيه ولا بحر
 
الموت قادم يا عباد الله ، الموت أقرب إلى المؤمن من شراك نعله ولا يسلم أحدنا أن يأتيه الموت واقفا أو جالسا نائما أو مستيقظا فماذا أعددنا لملاقاة رب العالمين ؟ لقد أعد صلاح الدين جهادا وتضحية وفتحا أعاد المسجد الأقصى من جديد وأعاد الصلاة إليه فهل هناك منا من يشعر برغبة داخله فى أن يكون صلاحا جديدا لأمتنا ؟ هذا السؤال إنما أوجهه إلى الآباء والأمهات والشباب والفتيات القائمين على التربية فى هذه الأمة فنحن فى إحتياج حقيقى لمثل هذه الشخصية المفعمة بتحرى تقوى الله جل ّ علاه .
 
يقول أبو يوسف : " فكنت أقرأ عليه آيات حتى إذا ما جاء قوله تعالى : " هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم " ]الحشر 59 :22 [ .
 
وكان صلاح الدين فى سكرات الموت أفاق من سكرته وهو يقول : " أجل أجل صحيح صحيح " ولما جاء قوله تعالى : " قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب " ]الرعد 13 : 30[  .
 
دمعت عينى صلاح الدين ثم ابتسم وابيض وجهه ونطق الشهادة وقال : " بسم الله وفى سبيل الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله "
 
وقبل الختام أقرأ عليكم أبيات من الشعر قيلت فى صلاح الدين :
 
جند السماء لهذا الملك أعوان***من شك فيه فهذا الفتح برهان
 
هذه الفتوح فتوح الأنبياء***وماله سوى الشكر بالأفعال أثمان
 
أضحى ملوك الفرنج الصيد فى يده صيدا***وما ضعفوا يوما وما هانوا
 
تسعون عاما بلاد الله تصرخ***والاسلام أنصاره صم وعميان
 
فالآن لبى صلاح الدين دعوته***بأمر من هو للمعوان معوان
 
للناصر ادخرت هذه الفتوح***وما سمت لها همم ملوك قد كانوا
 
إذا طوى الله ديوان العباد***فما يطوى لأجر صلاح الدين ديوان
 
 
انتهت السيرة ولكن الذكرى تبقى انتهت القصة ولكن الأثر يبقى وفى ختام هذه  السلسلة لا يسعنى إلا أن أقول أن الهدف الرئيسى منها هو أن يكون القارئ صلاح الدين وأن لا يخذل الإسلام .
 
أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم وأستودع الله نفوسكم بصلاحها وقلوبكم بخشوعها وأستودع الله ذاكرة التاريخ التى أسأل الله أن تبقى فى عقولكم وقلوبكم والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
 
هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر
 
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


ما بعد نصر حطين

2008-03-24  ،  03:01 م  في القسم من تاريخ المسلمين .. من أتحفني رأيه2 .. الرابط
من الجدير بالذكر أن أفكار التسامح والعفو عند المقدرة هى أفكار بنيت عليها شريعة الإسلام وقد ظهر ذلك واضحا عندما عفى صلاح الدين الأيوبى عن الجنود الصليبيين وكان هذا التسامح بمثابة الرسالة المبعوثة إلى القارة الأوروبية بأسرها عن قيمة هذا الدين العظيم الذى عفى عن الجنود الصليبيين بعد قتلهم آلاف الأبرياء وإغتصاب العديد من الأراضى الإسلامية وكان ذلك العفو دليلا على سماحة الإسلام مع أبناء الديانات الأخرى وبالتالى القضية ليست دينية وإنما القضية تكمن فى إغتصاب أرض إسلامية .
 
والغريب رغم أن العفو الذى منحه صلاح الدين لآلاف الجند الصليبيين الأسرى هو عمل فى غاية الإنسانية إلا أن أمراءهم قابلوا الإحسان بالإساءة فأمروا نفس هؤلاء الجنود بالتجمع فى ثلاث مناطق هم صور وصيدا وأنطاكيا وتلك المناطق التى لم يستطع صلاح الدين فتحها أبدا .
 
 
دخل صلاح الدين المسجد الأقصى ليلة 27 رجب سنة 583 وأدرك عدم إمكانية الصلاة فى المسجد بسبب الحالة التى كان عليها حيث كان الصليبيون قد حولوه إلى حظيرة خنازير ولذا لم تعقد بالمسجد الأقصى صلاة أول جمعة بعد فتح بيت المقدس وأنما جاءت خطبة الجمعة الأولى بعد ذلك بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين يوم 4 شعبان سنة 583 وقد ألقى الخطبة فى ذلك اليوم محيى الدين بن الزكى وهو أحد الأئمة الكبار وأقدم صلاح الدين على إظهار ما كان يتمتع به من وفاء عندما أمر بإحضار المنبر من دمشق الذى كان نور الين محمود قد أمر بصنعه وذلك حتى يصعد عليه الخطيب عند إلقائه لأول خطبة جمعة بالمسجد الأقصى بعد تحريره ويا ليت الوفاء والعرفان بالجميل ينتشران بيننا كما كانا يثريان العلاقة بين المسلمين فى عهد صلاح الدين .
 
وفى موقف آخر جدير بالذكر أمر صلاح الدين بعد انقضاء صلاة الجمعة بأن يقوم زين الدين بن نجا المصرى بإعطاء درس دين للحاضرين فرغم مشاعر السرور والبهجة التى كانت تعم الجميع إلا أن صلاح الدين أراد أن يذكر المسلمين بضرورة الاستزادة من تعاليم دينهم وتطبيقها لصالح الأمة .
 
تلبيس الحق بالباطل .
 
وفى تلك اللحظة كانت كل ديار الإسلام فيما عدا صور وصيدا وأنطاكيا قد خضعت لصلاح الدين الأيوبى وعلى الجانب الآخر كانت الحسرة قد أصابت الغرب الأوروبى حتى مات البابا الكاثوليكى من شدة الحزن على إستعادة المسلمين لبيت المقدس وما كان من البابا الذى خلفه إلا أن يحاول إشعال الحماس فى الأفراد من خلال وعده لهم بدخول الجنة إذا ما صاموا يوم الجمعة وامتنعوا عن أكل اللحوم يومى السبت والأربعاء وبالإضافة إلى ذلك فرضت ضرائب جديدة سميت ب" عشور صلاح الدين " وكانت عبارة عن عشر الدخل الأوروبى المخصص للقضاء على صلاح الدين وبدأ الإعلام الأوروبى يستفز مشاعر الشعوب ضد صلاح الدين والمسلمين إذ شرعوا فى رسم لوحات كبيرة تصور السيد المسيح على أنه رجل ضعيف يضربه رجل غليظ بمطرقة وما أشبه الأمس باليوم حيث يصور العالم الغربى حاليا المسلمين بالإرهابيين .
 
وفى الحقيقة الإسلام ليس بحاجة لأن يدافع عنه أحد لأنه أكثر الرسالات السماوية سماحة على الإطلاق ويقول الحق تبارك و تعالى : " إن الدين عند الله الإسلام " ] آل عمران 3 : 19 [  .
 
والمطلوب من كل مسلم أن يفتخر بانتمائه للإسلام ورغم الهجمة الشرسة التى قام بها الأوروبيون بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر إلا أن عدد المعتنقين للإسلام من الملل الأخرى قد تزايد بعد ذلك التاريخ نتيجة إقبال الأوروبيون على دراسة تعاليم الإسلام واكتشاف مدى سموه .
 
وعودة إلى عصر صلاح الدين الأيوبى نجد أن التحفيز الإعلامى أدى إلى تحريك الحملة الصليبية الثالثة التى إتسمت بالقسوة والضراوة وقد وصلت الأخبار أن الأمير الألمانى فريديريك باربا روسا قادم إلى الشرق على رأس ثلثمائة ألف جندى وبالفعل عبرت تلك القوات قارة أوروبا واستعدت للوصول إلى الشام من الشمال كما أفادت الإستطلاعات أن الأسطول الإنجليزى بقيادة ريتشارد قلب الأسد وصل إلى صقلية فى طريقه إلى قبرص ثم إلى عكا هذا بالإضافة إلى تحرك ملك فرنسا فيليب أغسطس بأسطوله في اتجاه الشرق .
 
وإقتربت الأساطيل الأوروبية من عكا وشرع صلاح الدين فى إعادة تجميع القوات الإسلامية ولم يتوقف عدد الجند الغربيون القادمون إلى الشرق عند المائة وعشرون ألفا الذين حضروا فى الحملة السابقة وإنما كانت أوروبا بأسرها قد لفظت بفلذات أكبادها كما أن قادة الجيوش لم يكونوا مجرد أمراء عاديون مثل من سبقوهم فى الحملات السالفة وإنما كانوا ملوك وحكام إنجلترا وفرنسا وألمانيا وعند وصول الأسطولين الإنجليزى والفرنسى بأعداد غفيرة إلى عكا دار الحوار التالى بين صلاح الدين وابن شداد :
 
( ابن شداد )      : فيم شرودك يا صلاح الدين ؟ .
( صلاح الدين ) : إنى أفكر بعد أن نقضى على هذه الجموع القادمة أن أعبر البحر وأرفع راية الإسلام فى بلاد الفرنج حتى يقضى الله أمرا كان مفعول .
 
وإن دل كلام صلاح الدين على أمر ما إنما يدل على أنه كان ينظر للأمور بنظرة مستقبلية تملؤها الثقة بالتمكن من القضاء على الحملة الآتية إلى الشرق بقوات غير مسبقة ثم الخروج فى أرض الله عبر البحار لنشر الإسلام فإنه لم يعد يشغل باله بمجرد التفكير فى معركة من المعارك وإنما كان همه فى العمل على إعلاء راية الإسلام فى كافة أنحاء المعمورة .
 
وبدأ حصار الصليبيين لميناء عكا فى عام 585 هجرية بعد أقل من سنتين من فتح بيت المقدس وكانت هذه الحملة قد تم إعدادها إعدادا قويا حتى أن حصار عكا إستمر لمدة أربع وعشرين شهرا وهكذا ظلت عكا صامدة أمام الأسطولين الإنجليزى والفرنسى لمدة عامين كاملين دون أن تستسلم للقوات الصليبية وطيلة هذه المدة كانت قوات صلاح الدين متواجدة خارج أسوار عكا فيما كانت هذه القوات تقوم بهجمات برية متتالية .
 
وبعد ستة أشهر من حصار عكا وبالتحديد فى مطلع شهر شعبان قام بهاء الدين قراقوش وهو المسئول عن التموين بميناء عكا بإبلاغ صلاح الدين أن المؤن المتاحة سوف تنفذ بمضى أسبوعين وبناءا على ذلك كلف صلاح الدين مجموعة من سفن الأسطول المصرى بإختراق الأسطولين الإنجليزى و الفرنسى وبالفعل وأثناء تأدية الأسطول المصرى للمهمة البحرية التى تم تكليفه بها تدخلت القدرة الإلهية فيأمر الله تبارك وتعالى الرياح بتغيير إتجاهها بما يساعد الأسطول المصرى على بلوغ ميناء عكا بالمؤن اللازمة ولم يستطع الصليبيون إصابة الأسطول المصرى إلا بعد أن وصلت المؤن إلى داخل عكا وكان هذا الحدث أحد الأمثلة العديدة التى تنطبق عليها الآية الكريمة : " وما يعلم جنود ربك إلا هو " ] المدثر 74 : 31 [  .
 
ولقد أكرم الله عز و جل جنده لأنهم توكلوا عليه حق توكله فهم أولا قد تحروا تقواه سبحانه وتعالى ثم توجهوا إليه سائلين العون والتوفيق وأخيرا إنطلقوا ليؤدوا ما كتب عليهم من جهاد فى سبيله ومن ضمن هؤلاء الجند المخلصين كان عيسى العوام الذى أجاد السباحة حتى أنه كلف بهمة توصيل أربعة آلاف دينارا ذهبية إلى عكا وسبح عيسى العوام بين السفن الصليبية غير عابئ بما قد يحدث له فى سبيل إنجاز المهمة التى كلف بها وأصيب عيسى بأحد السهام وتوفى فى الحال فغرق ولكن يشاء السميع العليم أن يصل جثمانه طافيا على شاطئ عكا ليحصل أهلها على ما كانوا ينتظرونه من دنانير وبهذا يكون الله جل علاه قد أكرم هذا المؤمن بالشهادة إن شاء الله بما فى ذلك من جزاء ونعيم لا يعلم مداه إلا الله العلى القدير وفى نفس الوقت عززه بين الناس بأن جعله يؤدى أمانته حتى بعد وفاته .
 
وتلك الأمثلة للإخلاص والإيمان بالله الواحد القهار جاءت من أناس كان مسلكهم مختلفا عما نحن عليه الآن فلم يكن هؤلاء المؤمنون يخشون إلا بارئهم تبارك وتعالى ومن أمثلة ذلك ما فعله شاب دمشقى لم يهب أو يستسلم لمناعة وضخامة الأبراج التى أحضرها معهم الصليبيون والتى كانت تقل على سطحها خمسمائة جندى وكان هذا الشاب قد لاحظ أن المادة المصنوعة منها الأبراج مادة لا تؤثر فيها النيران ولذلك فقد عنى بدراستها بهدف التوصل إلى تركيب كيميائى يستطيع أن يقضى عليها وقد ظل هذا الكيميائى عاكفا فى معمله طيلة ثمانية أشهر بذل فيها ما استطاع من جهد ومال وفكر حتى وفقه الله تعالى إلى إكتشاف مادة تبيد الأسوار الصليبية ولما كان من الضرورى أن يصل هذا الدمشقى إلى داخل عكا ليسلم المادة المكتشفة حتى يتم تصنيع منها كميات كبيرة تستخدم فى القضاء على الأبراج أمر صلاح الدين ابنه الأفضل بقيادة بعض الجند لتأمين وصول الدمشقى خلف أسوار عكا وبالفعل وصل الشاب إلى عكا وسلّم التركيب الكيميائى المؤثر الذى كان سببا فى تدمير الأبراج الصليبية وجاءت المفاجأة عندما أراد صلاح الدين مكافأة هذا الدمشقى الأمين دار بينهما ما يلى من حوار قصير :
 
( صلاح الدين )      : لقد أديت أيها الرجل واجبك بأمانة وتكبدت فى سبيل ذلك ما تكبدت وقد وجب علينا حسن جزاؤك فما تطلبه يكون لك بإذن الله .
( الشاب الدمشقى )   : والله ما فعلت ذلك من أجلك وإنما فعلته لله رب العالمين وإنى أنتظر جزائى يوم القيامة من الله العفو الكريم .
 
وبذلك أصبح الشاب الدمشقى مثالا عمليا للإخلاص لله عز وجل فقد رفض كل ما كان من الممكن أن ينعم به جزاء ما صنعه من عمل أفاد به الأمة و قضى به على سلاح عدوها وما كان ذلك ليبدر إلا من عبد عرف الله ووثق فى خير جزاءه فاستعوض به عن إحسان من سواه .
 
والجدير بالملاحظة أيضا أن تلك النوعية من الأفراد قد إقتدت بخير قدوة حيث ضرب صلاح الدين مثالا للقائد الذى لا يتوارى أن يقدم ابنه فداء لإعلاء كلمة الله عز وجل وقد تجلى ذلك عندما جعل صلاح الدين ابنه الأفضل على رأس الجند المرافقين للدمشقى حتى إخترقوا أسوار عكا ونفذوا إلى داخلها بما فى ذلك من خطر يحيق بإبن السلطان ولكن صلاح الدين لم يشغل باله بكونه سلطان المسلمين ولا أبا لولده وإنما أقدم على ما فعله إبتغاءا لمرضاة الله جل علاه .
 
وما كان سلوك صلاح الدين إلا إتباعا لأحكام الشريعة الغراء التى نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وإقتداءا بصحابته عليه أفضل الصلاة والسلام ولقد جاء رجلا إلى النبى الكريم صبيحة غزوة خيبر وأشهر إسلامه فأشركه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قتال اليهود وبعد إنتهاء المعركة وعند لحظة توزيع الغنائم قال الصحابى مخاطبا خاتم المرسلين : " ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة " وقال النبى صلوات الله وسلامه عليه : " إن تصدق الله يصدقك " ولم يمض على ذلك الحدث إلا قليلا حتى إستشهد الصحابى فى معركة تالية وعندما أحضره الصحابة أمام النبى وجدوا سهما مخترقا رقبته فى نفس الموضع الذى كان قد أشار إليه فسأل الرسول : " أهو هو ؟ " قالوا : " نعم "  فقال النبى : " صدق الله فصدقه " . رواه النسائي .
 
والغرض من إستعراض تلك الأمثلة العملية للإخلاص لرب العالمين هو تحفيز كل منا على محاكاة تلك النوعية من المؤمنين المخلصين الذين نفتقدهم حاليأ مما أدى إلى إنحدار أحوالنا إلى أدنى المستويات .
 
ومن أهم السلوكيات التى كانت ذات أثر بليغ على نفوس المسلمين وإستتبعتها رحمة الله لهم أثناء حصار ميناء عكا كان سلوك التوجه إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء والابتهال وبالنظر إلى الحال التى آلت إليها أمور أمتنا من تدهور فما أقل من أن يتوجه كل فرد منا  بالدعاء إلى المولى عز وجل سائلا العون والإرشاد والتثبيت للنفس وللأمة بأسرها لعل الله جل علاه يستجيب لدعاء أحد الصالحين فيفرج عنا ما نحن فيه من كرب .
 
هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر
 
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


معركة حطين وبيت المقدس

2008-03-16  ،  04:52 م  في القسم من تاريخ المسلمين .. من أتحفني رأيه4 .. الرابط
يشترك الأفراد والجماعات والدول أيضا فى ضرورة أخذهم بالأسباب حيث قال الله تعالى فى كتابه الكريم :
 
" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ]الرعد 13 :11 [ .
 
وبالتالى فعندما تكون هناك رغبة فى إنجاز أمر معين فهذا الأمر يستطلب بالقطع جهدا مبذولا لتحقيقه ولا يجوز السكون إعتمادأ على التوفيق الإلهى فى تدبير الأمور فإن الله يحب العبد المجتهد الذى ما أن بذل ما فى وسعه حتى أدركته رحمة الله وبركاته فى حسن إتيان ما أقبل عليه وبذل له الجهد المستطاع .
 
 
فى صباح معركة " حطين " وبعد صلاة الفجر تحديدا إستعرض صلاح الدين الأيوبى قواته وأخذ يتأكد من ترتيبات الخطة التى كان هدفها إنهاك العدو بإجباره إلى هبوط منحدر " حطين " بما فى ذلك من مشقة وإرتباك .
 
ولكن صلاح الدين كان قد إهتم منذ سنوات طويلة بأمر أهم وأدق وهو الإعداد النفسى للجند المسلمين لأنه كان يعلم أنه بقدر الإهتمام بالجانب المعنوى و النفسى للفرد بصفة عامة وللجندى بصفة خاصة بقدر ما تزيد قدرة تحمله للمواقف الصعبة وعلى سبيل المثال هل يمكن لرجل لا يغض بصره عن محارم الله أن يشترك فى موقعة الغرض منها إبتغاء مرضاة الله ؟ أو أن يسهم فى إستعادة بيت المقدس ؟ أو أن يكون ممن يطهرون المسجد الأقصى من أيدى أعداء الدين وأن يصلى فيه ركعتين ؟ وهل يجوز لشاب لا يصلى الفجر أن ينال شرف الجندية فى معركة عزة للإسلام مثل معركة " حطين " ؟ الإجابة واحدة فمن لا يغض بصره ومن لا يصلى الفجر لن يجوز ضمه لصفوف الجند وهذا يعنى أنه إذا أراد شابا أن يحظى بإختيار الله عز وجل له ليكون ضمن المقاتلين فى المعركة الفاصلة فعليه أن يلتزم بتحرى تقوى المولى تبارك وتعالى من خلال البعد عن المعاصى والإكثار من الطاعات و كذلك الأمر بالنسبة للفتاة التى لا ترتدى الزى الإسلامى للمرأة فكيف لها أن تقوم بتربية إبنها تربية ربانية مثل تلك التى تلقاها صلاح الدين الأيوبى ؟ و أيضا كيف يمكن للشاب الذى لا يبر والديه أن يتحكم فى مقدراته وأن يوجه نفسه التوجيه السليم ؟ ألم يقرأ الآية الكريمة : " فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما " ]الاسراء 17 :23  [.
    
والأسئلة التى تطرح فى هذا الخصوص ليس المقصود منها التعجيز وإنما المرجو هو مواجهة الواقع بكل تفاصيله حتى تتم المعالجة الصحيحة للسلبيات القائمة ودائما ما يلقى اللوم على الحكومات أنها لا تعمل على تحرير فلسطين والمسجد الأقصى ولكن القضية لا تخص السياسات العامة ولا مقدرات ملوك ورؤساء وإنما الأمر يتعلق بإرتباط الشخص بربه حتى يختاره الله سبحانه وتعالى لمعركة مثل التى دارت بسهل حطين وهذا هو بالضبط ما فعله صلاح الدين والمجموعة المعاونة له وفى الحقيقة القضية هى كيفية إعداد أمة تنصر الله فينصرها الله ويعزها ويكون ذلك من خلال التربية على الأسس الإسلامية وغرس المعانى الإيمانية فى الصغار حتى تكون لهم زادا يسلكون من خلاله الطريق القويم .
 
 
ومع بزوغ فجر يوم 24 من ربيع الآخر لعام 583 هجرية كانت أول هجمة صليبية على جيش صلاح الدين فى سهل حطين ونزل من الهضبة ستون ألفا من الجند الغربيين لم يعد منهم سوى ثلاثون ألفا فقط أى أنه خلال ست ساعات أبيد ثلاثون ألف جنديا صليبيا بينما عاد الآخرون يخبرون عن الأهوال التى شاهدوها فى سهل حطين وعندما رأى ابن صلاح الدين ما حدث قال " إننا إنتصرنا " ولكن صلاح الدين قاطعه بقوله " اصمت فوالله لا ننتصر حتى تسقط خيمة جايل أمير بيت المقدس " ثم بدأت الهجمة الصليبية الثانية والذى كان هجوم شبه انتحارى لأنهم كانوا قد إستنفذوا أجسامهم وأعصابهم طوال اليوم والهجمة الثانية كانت أيضا بستون ألف مقاتل لم يرجع منهم سوى ثلاثون ألفا فقط وهذا يدل على أن نصف الجيش قد أبيد فى خلال إثنتى عشرة ساعة فحسب ويتضح بذلك أن الخمسون ألف جندى المؤلف منهم جيش صلاح الدين كان يقاتلون بمعونة من قبل رب العالمين سبحانه وتعالى ولكن تلك الحقيقة الواضحة لم تدر ببال الأمراء الصليبيين فارتكبوا الخطأ الفادح بالإقدام على شن هجمة ثالثة ولما أراد هؤلاء القادة أن يشعلوا حماس جنودهم أمروا بعضهم برفع صليب ضخم اسمه " صليب الصلبوت " ومشوا فى مقدمة الهجمة الثالثة وبدأوا الإنحدار الشديد ليواجهوا المسلمين مواجهة شرسة حيث كانت فرصتهم الأخيرة وفى المقابل أدرك قادة أفرع الجيش المسلم حماس الصلبيين فأخذوا يحفزون جندهم ويذكرونهم برضا الله و الجنة وبناءا عليه إحتدم الوطيس وتفوق المسلمون حتى أتوا خيمة الصليبيين ومزقوها إربا وسقط " صليب الصلبوت " فى أيدى الجند المسلمون ولم يبق من الجيش الصليبى بأكمله إلا الأسرى أما أرناط وجايل فقد حاصرهم مائة وخمسون فارسا مسلما .
 
وانتهت المعركة بانتهاء اليوم فكانت معركة اليوم الواحد ولكنها في الواقع احتاجت إلى إعداد الأمة على مدى واحد وتسعين عاما على يد أمراء بنى أرطق ثم عماد الدين زنكى ومرورا بنور الدين محمود وإنتهاءا بصلاح الدين الأيوبى وهذا يدل على ضرورة عدم اليأس من الأوضاع الحالية حيث أن المسجد ظل تحت سيطرة الصليبيين لمدة واحد وتسعون عاما اتخذه أثناءها الصليبيون حظيرة للخنازير فى حين أنه يخضع للإحتلال حاليا منذ 1948 أي تسعة وخمسون وتقام فيه الصلاة حتى الآن وبالتالى لازال الأمل معقودا على عودة المسجد الأقصى وتحرير كل ديار المسلمين بشرط خروج قائد جديد من بين صفوف شباب المسلمين مثل صلاح الدين الأيوبى .
 
وفي الحقيقة تتضاءل مشاعر الإنتصار أمام الموقف الذى إتخذه صلاح الدين عندما تحقق من الإنتصار إذ أنه نزل من على فرسه وسجد سجدة شكر وظن من حوله أن روحه قد قبضت فيها من طول السجدة ولذا فإن دعاء صلاح الدين قبل المعركة وسجدة الشكر بعدها يدلان على نوعية القائد الذى نحتاج إليه ليقودنا إلى العزة .
 
إنتهت المعركة ولكن تبقى الدروس المستفادة منها وعلى سبيل المثال أخذ صلاح الدين يبحث عن أرناط وسط الأسرى حتى وجده وكان قد أقسم على قتله وقد فعل وذلك لأن أرناط  كان من الأشخاص الذين يقتلون الأطفال لمجرد حملهم الحجر فأنى لنا برجل يقسم على الله فيبره مثلما حدث مع البراء بن مالك وصلاح الدين الأيوبى ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك " رواه الترمذي وقال حديث حسن ، وقتل أرناط وانتهى عهده وظهر عهد جديد هو عهد القوة والعزة للإسلام .
 
 
أخذ صلاح الدين الأيوبى يتفقد الأعداد الغفيرة من الأسرى سواء الأمراء أو الجند الصليبيين الذين أتوا إلى الشرق بأطماع الثراء ودون أن يفكروا فى اليوم الذى سيذوقون فيه مرارة الذل كيوم حطين واسترجع صلاح الدين الأيوبى ذاكرة بعض أبيات الشعر التى كان نور الدين محمود يحتفظ بها ثم وصلت إليه وتقول هذه الأبيات :
 
يا أيها الملك الذى لمعالم الصلبان منكس
جاءت ظلامة تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهرت وأنا على شرفى منجس
    
وإذا كانت الأبيات جاءت على لسان المسجد الأقصى فذلك لأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وأحد ثلاثة مساجد فقط يشد إليها الرحال والصلاة فيه بخمسمائة صلاة فى غيره من المساجد وهو المسجد الذى بناه آدم عليه السلام وقد أثبت الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم أن البقعة التى بنى عليها المسجد الأقصى هى حكر لهذا المسجد ولا يجوز لأى شخص أن يبدل أو يشوه شكل هذا المكان فيقول الله تعالى : " سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير " ]الإسراء 17 :1 [ .
 
ولذلك ينبغى أن يتأصل فى عقيدة كل مسلم فى كل زمان ومكان أنه ليس لأحد حق فى أرض فلسطين إلا المسلمين وأن هذه الأرض ملك لله تبارك و تعالى يورثها لمن يشاء ولقد أطلق الصهاينة اسم إسرائيل على تلك القاعدة الصهيونية الموجودة على أرض فلسطين رغبة منهم فى إخفاء معالم التاريخ غير أن رب العالمين لم يترك موضعا يحاولون به تزييف الوقائع إلا أظهر حقيقته بآية من القرآن الكريم وأكد على أنه ليس لليهود حق فى أرض فلسطين وليس من دليل أقوى على ذلك إلا الآية القرآنية التى تذكر لحظة إحتضار يعقوب عليه السلام والمسمى ب " إسرائيل " وتوضح أن ملته هى الإسلام : " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا و نحن له مسلمون " ]البقرة 2 :133 [ .
 
ولنتأمل كذلك الآية القرآنية التى تورد مناجاة يوسف عليه السلام لرب العزّة تبارك وتعالى : " رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي فى الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين " ]يوسف 12 :101 [ .
   
 ولننظركيف يأصل موسى عليه السلام لدى قومه الإسلام كعقيدة ومنهج :
 
" وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين " ]يونس 10 :84 [ .
 
وقد إعترض اليهود زاعمين أنهم بنوا الهيكل فى عهد داود وسليمان فيفضح القرآن الكريم أكاذيب هؤلاء الصهاينة بتبيان الحقبة وطبيعة الملة والدين التى كان يدعو إليها داود وسليمان عليهما السلام وذلك من خلال ما ورد برسالة سليمان إلى الملكة بلقيس : " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علىّ وأتونى مسلمين " ] النمل 27 : 30 – 31 [ .
 
ويجادل اليهود إذ يفسرون لفظ  " مسلمين " على أنه إستسلام وليس إعتناقا لدين الإسلام فترد عليهم بلقيس بقولها لربها : " قالت رب إنى ظلمت نفسى و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين " ]النمل 27 :44 [ .
 
 
ويلاحظ بكل وضوح فى الآيات السابقة تأصيل عقيدة الإسلام لكل نبى ورسول من لدن آدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن فالعقيدة التى إعتنقها كل الأنبياء والرسل واحدة أما التحريف الذى أجراه الصهاينة فلا قيمة له عندنا نحن المسلمين لأننا نعتقد ما يعتقده الأنبياء والرسل ولم يترك القرآن ولا الأحاديث الشريفة فرصة لتزييف الحقائق حتى ولو ذكرت الموسوعة الأمريكية المطبوعة سنة 1980 أنه كان هناك هيكلا يهوديا قائما فى بيت المقدس وقت من الأوقات وحتى لو ذكر ديورانت صاحب موسوعة الحضارة أن سليمان وداود كانا نبيان يهوديان فلا نصدقه لأن القرآن ينفى ذلك و لأن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء والرسل جميعا فى المسجد الأقصى من ضمن ما حدث خلال رحلة الإسراء والمعراج وبالتالى ليس لليهود حق فى أرض فلسطين حتى أن التاريخ يثبت أنهم لم يقيموا بفلسطين أكثر من مائتى عام وقد ظل اليهود بمصر ثلثمائة عام فلم لا يطالبون بحكم مصر .  
    
 
إن أسباب الإنتصار فى حطين لا تتغير بتغير الزمان والمكان وإذا كان الهدف هو إعادة أمجاد الأمة فينبغى البحث عن القيادة السليمة التى تؤدى إلى بيت المقدس والإلتزام بأصول التربية وأصول إختيار القيادات .
   
وبعد الإنتصار الذى حققه فى حطين شرع صلاح الدين فى فتح الحصون المختلفة مثل الناصرة وقيصرية وحيفا وعكا وصافورية وعسقلان والطور ويافا ونابلس وغيرها من المدن وإقترب صلاح الدين من بيت المقدس فى 20 رجب عام 583 هجرية وظل صلاح الدين محاصرا لهذه المدينة أسبوعا بأكمله حتى جرت مفاوضات فى خيمته بينه وبين القائد الصليبى ليليان لبحث ظروف تسليم الصليبيين لبيت المقدس إلى المسلمين ولأننا أبناء عقيدة الإسلام ونستمد أصول معارفنا من القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمفهوم هذه العقيدة وقف صلاح الدين الأيوبى أمام ليليان ودار بينهما الحوار التالى :
 
(ليليان)         : إن الموت أيسر علينا من أن يملك المسلمون بيت المقدس ودون ذلك بذل النفس والمال والولدن حتى نحفظه منهم .
(صلاح الدين) : إن هذه البلاد التى تسكوننها هى بلاد الإسلام وأنتم الذين أتيتم من وراء البحر وأطلقتم على أنفسكم إسم " الصليبيين " وأصبح وجودكم عار على شرفنا ولن يخمد لنا جفن أو يرتاح لنا قلب حتى تجلوا عن هذه الأرض .
 
وكم كان رد صلاح الدين الأيوبى مليئ بالحماس والثقة بالله ثم بالنفس ونظرا لغطرسة ليليان وعناده لم يجد صلاح الدين بدا من قذف أسوار المدينة بالمنجنيق حيث كان التركيز على باب عمر وتم فتحه .
 
سماحة الاسلام .
 
وعند هذه اللحظة تفاوض ليليان مرة أخرى مع صلاح الدين طالبا منه أن يسمح للصليبيين بالرحيل بسلام ولكن صلاح الدين كان له رأيا آخرا حيث أنه كان ما زال يدور بخلده المذبحة التى راح ضحيتها سبعون ألفا من النساء والأطفال والشيوخ عند إستيلاء الصليبيين على بيت المقدس ولذلك أصبح من الطبيعى إعتبار الصليبيين أسرى حرب لأن ليليان كان قد رفض الرحيل فى المفاوضات الأولى .
 
وكانت الفدية للرجل الصليبى قدرها عشرة دنانير وخمسة للمرأة وثلاثة للطفل بل إن صلاح الدين ظل فاتحا لأبواب المدينة يوما كاملا لخروج من لم يستطع من الشيوخ أن يدفع الفدية ثم جاءته النساء تتشفعن لأزواجهن فانطلاقا من تعاليم الإسلام الكريمة فك صلاح الدين أسر رجال الصليبيين .
 
وإذا كان صلاح الدين قد تعامل مع الصليبيين بهذا القدر الهائل من السماحة فلم لا يتعامل كل منا تجاه الآخر بمبدأ العفو عند المقدرة ؟ ولذلك فالمطلوب منا إستنفار مشاعر التسامح الموجودة بداخلنا حتى يسود الوئام بين كافة أفراد الأمة.
 
هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر
 
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


 { الصفحة السابقة }  { الصفحة من  1  الى  10 }  { الصفحة التالية }

عني

الرئيسة
الملف
الأرشيف
الأصدقاء
ألبوم الصور

الأقسام

مفاهيم خاطئة
من تاريخ المسلمين
من سيرة النبي محمد
البرمجة اللغوية العصبية
الحب
العبادات
الإدمان
خبر وتعليق
رمضانيات
رحلة إلى الدار الآخرة
فرق ضالة
إعرف عدوك
طريق الحياة الزوجية
قصة وعبرة
قضايا معاصرة
قضية فلسطين
كبائر الذنوب

مدوناتي الأخيرة

المعركة مع الشيطان
وداعاً أكتب
خريطة مدونة شباب مسلم
خصائص شيطانية
أصل الحكاية مع الشيطان
الفلبين
القلة المؤمنة

مواقع إخترتها لك

خطوة لمقاومة عبدة الشيطان
طريق الإسلام
الإسلام أون لين
شبكة الإسلام
تاريخ قصة الإسلام
موقع مجانين

رشحنا في سباق أفضل مائة موقع إسلامي




معلومات عن الزائرين

 كم شخص على الموقع الآن


من شرفني بالزيارة
من شرفني بالزيارة
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال